العلامة المجلسي

168

بحار الأنوار

من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله ، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا الله ، أو ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما آتيتم به مثله ، ولا تستشهدوا بالله فإنه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجة ، أو شهدائكم الذين اتخذتموهم من دون الله أولياء أو آلهة وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة ، أو الذين يشهدون لكم بين يدي الله على زعمكم ليعينوكم ، وقيل : من دون الله أي من دون أولياء الله ، يعني فصحاء العرب ووجوه الشاهد ليشهدوا لكم أن ما آتيتم به مثله " إن كنتم صادقين " أنه من كلام البشر ( 1 ) . وقال النيشابوري في قوله تعالى : " وضربت عليهم الذلة والمسكنة " أي أحيطت بهم كالقبة المضروبة على الشخص ، أو ألصقت بهم كما يضرب الطين على الحائط ، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة ، إما على الحقيقة ، وإما لتصاغرهم وتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية ، وهذا من جملة الاخبار بالغيب الدال على كون القرآن وحيا نازلا من السماء . أقول : وكذا قوله : " وإذا خلا بعضهم إلى بعض " ظاهر أن هذه الأخبار كان على وجه الاعجاز ، إذ المنافقون كانوا يبذلون جهدهم في إخفاء أسرارهم ، وإبداء إيمانهم ، وعدم اطلاع المسلمين على بواطنهم ، ولو كان هذا الخبر مخالفا للواقع لأنكروا أشد الانكار ، وبينوا كذبه ، وظهر على سائر الخلق بتفحص أحوالهم برأتهم من ذلك ، ولأنكر معاندوه صلى الله عليه وآله ذلك عليه ، وهذا بين من أحوال من يدعي أمرا لا يستأهل له ، ويخبر بأمور لا حقيقة لها . وقال البيضاوي : في قوله تعالى : " قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة " خاصة بكم كما قلتم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا " من دون الناس " أي سائرهم أو المسلمين " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " لان من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها ( 2 ) كما قال علي عليه السلام " لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت علي " ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم " من موجبات النار ، وهذه الجملة إخبار بالغيب ، وكان كما أخبر لأنهم

--> ( 1 ) أنوار التنزيل 1 : 48 - 50 . ( 2 ) في المصدر : زيادة هي : وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب .